المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : \\°·.¸.•°®»ولـــــــــدي«®°·.¸.•°\\


طمــــــــوح
24 Dec 2006, 05:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



من روائع النثر العربي
.. ( ولـــــــدي ) ..
للأديب الكبير / أحمد حسن الزيات


«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»ولـــــــــدي«®°·.¸.•°°· .¸¸.•°°·.¸.•°®»

يا قارئي أنت صديق فدعني أرق على يديك هذه العبرات الباقية !

هذا ولدي كما ترى ، رُزِقته على حالٍ عابسةٍ كاليأس ، وكهولة بائسة كالهرم ، وحياة باردة كالموت ، فأشرق في نفسي إشراق الأمل ، وأورق في عودي إيراق الربيع ، وولّد في حياتي العقيمة معاني الجدّة والاستمرار والخلود !

كنت في طريق الحياة كالشارد الهيمان ، أنشد الراحة ولا أجد الظل ، وأُفيض المحبة ولا أجد الحبيب ، وألبس الناس ولا أجد ما ألبس ، وأكسب المال ولا أجد السعادة ، وأعالج العيش ولا أدرك الغاية !!

كنت كالصوت الأصم لا يُرجِعُه صدى ، والروح الحائر لا يُقِرّه هدى ، والمعنى المبهم لا يحدده خاطر !!

كنت كالآلة أنتجتها آلةٌ واستهلكها عمل ، فهي تخدم غيرها بالتسخير ، وتميت نفسها بالدءوب ، ولا تحفظ نوعها بالولادة ، فكان يصلني بالماضي أبي ، ويمسكني بالحاضر أجلي ، ثم لا يربطني بالمستقبل رابط من أمل أو ولد ..

فلما جاء ( رجاء ) وجدتني أولد فيه من جديد ؛ فأنا أنظر إلى الدنيا بعين الخيال وأبسم إلى الوجود بثغر الأطفال ، وأضطرب في الحياة اضطراب الحي الكامل يدفعه من ورائه طمع ، ويجذبه من أمامه طموح !

شعرت بالدم الحار يتدفق نشيطاً في جسمي ، وبالأمل القوي ينبعث جديدا في نفسي ، وبالمرح الفتي يضج لاهياً في حياتي ، وبالعيش الكئيب تتراقص على حواشيه الخضر عرائس المنى !

فأنا ألعب مع رجاء بلعبه ، وأتحدث إلى رجاء بلغته ، أتبع عقلي هوى رجاء ، فأدخل معه دخول البراءة في كل ملهى ، وأطير به طيران الفراشة في كل روض ثم لم يعد العمل الذي أعمله جديراً بعزمي ، ولا الجهد الذي أبذله كفاءً لغايتي ، فضاعفت السعي ، وتجاهلت النصب ، وتناسيت المرض ، وطلبت النجاح في كل وجه !

ذلك لأن الصبي الذكي الجميل ، أطال حياتي بحياته ، ووسّع وجودي بوجوده ، فكان عمري يغوص في طوايا العدم قليلا ليمد عمره بالبقاء ، كما يغوص أصل الشجرة في الأرض ليمد فروعها بالغذاء ..

شغل رجاء فراغي كله ، وملأ وجودي كله ، حتى أصبح شغلي ووجودي !

فهو صغيراً أنا ، وأنا كبيراً هو ؛ يأكل فأشبع ، ويشرب فأرتوي ، وينام فأستريح ، ويحلم فتسبح روحي وروحه في إشراق سماوي من الغبطة لا يوصف ولا يحدّ !!

ما هذا الضياء الذي يشعّ في نظراتي ؟

ما هذا الرجاء الذي يشيع في بسماتي ؟

ما هذا الرضا الذي يغمر نفسي ؟

ما هذا النعيم الذي يملأ شعوري ؟
ذلك كلّه انعكاس حياة على حياة ، وتدفق روح في روح ، وتأثير ولد في والد !؟

ثم انقضت تلك السنون الأربع !
فطوّحت الواحة وأوحش القفر ، وانطفأت الومضة وأغطش الليل ، وتبدد الحلم وتجهّم الواقع ، وأخفق الطب ومات رجاء !!

يا جبّار السموات والأرض رُحماك !!

أفي مثل خفقة الوسنان تبدّل الدنيا غير الدنيا ، فيعود النعيم شقاء ، والملأ خلاء ، والأمل ذكرى ؟!
أفي مثل تحية العجلان يصمت الروض الغرد ، ويسكن البيت اللاعب ، ويقبح الوجود الجميل ؟!
حنانيك يا لطيف !
ما هذا اللهيب الغريب الذي يهب على غشاء الصدر ومراق البطن فيرمض الحشا ويذيب لفائف القلب ؟

إن قلبي ينزف من عيني عبرات بعضها صامت وبعضها معول !
فهل ببيان الدمع ترجمان ، ولعويل الثاكل ألحان ؟
إن اللغة كون محدود فهل تترجم اللانهاية ؟
وإن الآلة عصب مكدود فهل تعزف الضرم الواري ؟
إن من يعرف حالي قبل رجاء وحالي معه يعرف حالي بعده !
أشهد لقد جزعت عليه جزعاً لم يغن فيه عزاء ولا عظة !
كنت أنفر ممن يعزيني عنه لأنه يهينه ، وأسكن إلى من يباكيني عليه لأنه يكبره ، وأستريح إلى النادبات يندبن الكبد الذي مات والأمل الذي فات ، والملك الذي رُفع !

لم يكن رجاء طفلاً عادياً حتى أملك الصبر عنه وأطيع السلوان فيه ؛ إنما كان صورة الخيال الشاعر ورغبة القلب المشوق !

كان وهو في سِنِّهِ التي تراها ، يعرف أوضاع الأدب ، ويدرك أسرار الجمال ، ويفهم شؤون الأسرة ، ويؤلف لي ( الحواديت ) كلما ضمني وإياه مجلس السمر !

كان يجعل نفسه دائماً بطل ( الحدوتة ) فهو يصرع الأسود التي هاجمت الناس من حديقة الحيوانات ، ويدفع ( العساكر ) عن التلاميذ في أيام المظاهرات ، ويجمع مساكين الحي في فناء الدار ليوزع عليهم ما صاده ببندقيته الصغيرة من مختلف الطير !

والهف نفسي عليه يوم تسلل إليه الحِمام الراصد في وعكة قال الطبيب : إنها ( البرد ) ، ثم أعلن بعد ثلاثة أيام أنها ( الدفتريا ) !

لقد عبث الداء الوبيل بجسمه النضر كما تعبث الريح السموم بالزهرة الغضّة !

ولكن ذكاءه وجماله ولطفه ما برحت قوية ناصعة ، تصارع العدم بحيوية الطفولة !!

والهف نفسي عليه ساعة أخذته غصة الموت ، وأدركته شهقة الروح ، فصاح بملء فمه الجميل / ( بابا ! بابا! ) كأنما ظنّ أباه يدفع عنه ما لا يدفع عن نفسه !

لنا الله من قبلك ومن بعدك يا رجاء . وللذين تطولوا بالمواساة فيك السلامة والبقاء ...


طمـــــــــوح,,’’

ALnebras2
24 Dec 2006, 06:53 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته,,’’

بالفعل راااااااائع

الله يعطيك العافيه..

اللهم ارحم وثبت كاتبة الجمله
24 Dec 2006, 10:42 PM
راااااائعه
سلمت انامل من خطها ونقلها ..... ومن قرأها ايضا p:

طمــــــــوح
25 Dec 2006, 07:09 PM
يسعدك ربي...

اللهم ارحم وثبت كاتبة الجمله

دمتي لكل خير,,