صـ نجد ـقر
30 Sep 2005, 01:26 PM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله في مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
... أما بعد
معاشر المسلمين:
إن الأمة الإسلامية تستقبل هذه الأيام مواسم الخير العظيمة، التي أنعم الله بها على الأمة الإسلامية وشرفها به، { ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} وقد خص الله هذا الموسم ، [ موسم الصيام]، بخصائص عديدة تدل على فضله وشرفه، من تلك الفضائل:
أن القرآن أنزل فيه { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} .
ومنها: أن فيه ليلة القدر هي خير عند الله من ألف شهر { إنا أنزلناه في ليلة القدر }
ومنها: أن الشياطين فيه تصفد، وأبواب الجنان فيه تفتح، وأبواب النيران فيه تغلق ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن لله تعالى عند كل فطر عتقاء من النار وذلك في كل ليلة" أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة.
ومنها أن الله تعالى جعل للصائمين باباً لايدخله غيرهم، عن سهل بن سعد رضي الله الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " للصائمين باب في الجنة يقال له: ( الريان) لايدخل منه أحد غيرهم فإذا دخل آخرهم أغلق، ومن دخل منه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً " أخرجه البخاري ومسلم.
ومنها: استجابة دعاء الصائمين فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عنه وسلم: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم ودعوة المظلوم ودعوة المسافر" أخرجه البيهقي وغيره.
ومنها: أن الصيام جنة يستجن بها العبد من النار ، قال صلى الله عليه وسلم: " الصيام جنة يستجن بها العبد من النار" رواه أحمد والبيهقي .
ومنها أن الله اختص بعباده الصيام دون غيرها فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال تعالى " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". أخرجه الشيخان... إلى غير ذلك من الفضائل التي يطول المقام عن حصرها واستقصائها.
معاشر المسلمين:
وقبل أن نذكر أقسام الناس في شهر الصيام ينبغي أن تقف هنا وقفة سائل ومجيب فيقال:
كنا في العام الماضي في مثل هذه الأيام نرقب شهر الصيام ونتحراه، ثم ماذا؟ عام كامل بأيامه ولياليه قد قوض خيامه، وطوىبساطه، وشد رحاله، بما قدمنا فيه من خير أو شر ، وصدق الله- ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً -: { وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء}، { يقلب الله الليل والنهار..}.
وقال صلى الله عليه وسلم: " لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ما فعل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه".
قال الشاعر :
تمر بنا الأيام تترى وإنما نساق إلى الآجال والعين تنظر
فيا معشر المسلمين :
إن معشار الثانية التي تذهب من أعمارنا لن تعود ولو انفقنا ما بين أيدينا وما خلفنا، فلم التفريط؟ ولم التسويف في أعمال الخير؟ فلنحمد الله الذي بلغنا شهر رمضان وليشد بعضنا عضد بعض، فمن كان من مقصراً تعاهدناه بالنصح، ومن كان منا محافظاً زدناه ثباتاً بعد تثبيت الله له ، وربما أننا في مطلع شهر جديد، فليرقب كل منا نفسه خاصة، وليطوي صفحة ماضية إن كانت خيراً ازداد من الخير، وإن كانت غي ذلك بدّلها إلى أحسن منها.
ووقفة أخرى أيضاً : كان معنا في شهر الصيام الماضي أناس شاركونا في الصيام والقيام والقرآءة والدعاء، ثم ماذا كان شأنهم؟ منهم من فارق هذه الحياة وهو الآن تحت طبقات الثرى، ومنهم من يرقد الآن على فراش المرضى لا يستطيع صياماً ولا قياماً، ونحن لا نزال نتمتع بوافر الصحة والعافية ، فلله الحمد من قبل ومن بعد.
وبعد هذا يقال:
ينقسم الناس في شهر رمضان إلى أقسام:
1- منهم قسم ينتظر هذا الشهر بفارغ الصبر وتزداد فرحته بوصوله فيشمر عن ساعد الجد ويجتهد في شتى أنواع العبادة من صوم وصلاة وصدقة وذكر وغير ذلك، وهذا خير الأقسام، قال ابن عباس رضي الله عنهما " كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام ن كان أجود بالخير من الريح المرسلة". رواه البخاري.
2- ومن الناس قسم يدخل عليه شهر رمضان ويخرج وهو على ما كان عليه قبل رمضان ، فلم يتأثر من شهر الصيام ولم يزدد رغبة في الخيرات والمسارعة إليها ،وهذا ممن فوت على نفسه غنيمة لا تقدر بثمن، إذا أن المسلم الحريص يزداد حرصه في الأوقات التي يكثر فيها الخير والثواب.
3- ومن الناس قسم لا يعرف الله إلا في رمضان، فإذا جاء رمضان رأيتهم ركعاً سجداً، فإذا انسلخ رمضان ولوا على أدبارهم نفوراً ، وعادوا إلى ما كانوا عليه من المعاصي والآثام، وأولئك القوم قد ذكروا للإمام أحمد والفضيل بن عياض فقالا: " بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان"، ومن كان من أولئك فقد خادع نفسه، وظفر الشيطان منه بشيء كثير، { الشيطان سوّل لهم وأملى لهم} وإلى هؤلاء القوم نخاطبهم جميعاً مرغبين لهم ومرهبين، مرغبين لهم أن يتوبوا إلى توبة نصوصاً ويستغلوا هذا الموسم للإنابة والاخباات إلى ربهم والاستغفار والإقلاع عما سلف منهم، قال تعالى: { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى}، وقال: { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً} فإذا علم الله منهم الصدق والإخلاص ، تجاوز عنهم كما وعدهم والله لا يخلف الميعاد، أما إذا أصروا على ذلك، فنرهبهم من فعلهم وأنهم على خطر عظيم، وأي خطر أعظم من الاستهانة بفرائض الله وحدوده وأوامره ونواهيه؟
4- ومن الناس قسم يصوم بطنه عن المطعومات ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك، فتراه أبعد الناس عن الأكل والشرب في رمضان، لكن لا يجدحرجاً في سماع المنكرات والغيبة والنميمة والسخرية، بل هذا ديدنه في رمضان وغيره، وإلى هؤلاء يقال اعلموا أن المعاصي محرمة في مضان وغيره، لكن تزداد حرمتها في رمضان على قول بعض أهل العلم، ولتعلموا أنكم بفعلكم ذلك قد جرحتم صيامكم وفرطتم في أجر كثير، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله عز وجل حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث" رواه ابن حبان.
5- ومن الناس قسم جعل نهار الصيام رقاداً، وليلة سمراً ولهواً ، فلا هو استغل نهاره بالذكر والخير، ولا هو نزه ليله عن المحرمات، وإلى هؤلاء يقال: اتقوا الله في أنفسكم، ولا تفرطوا في خير وصل إليكم وأنتم في رخاء ورغد من العيش، وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً ، وأبشروا من الله بما يسركم.
6- ومن الناس، قسم لا يعرف الله في رمضان ولا في غير رمضان، وهذا شر الأقسام وأخبثها وأخطرها .. فتراه لا يلقي بالاً لصلاة أو صيام ويترك ذلك عمداً مع وفور الصحة والعافية، ويدعي بعد ذلك أنه من أهل الإسلام والإسلام منه بعد المشرقين، وأهل الإسلام منه براء، وإلى هؤلاء يقال بادروا بالتوبة، وارجعوا إلى دينكم، واطووا صفحة مظلمة من حياتكم، فإن ربكم رحيم لمن أطاعة شديد العقاب على من عصاه.
معاشر المسلمين :
إن للصيام واجبات وآداباً ينبغي للمسلم الحريص على مرضاة الله تعالى الإحاطة بها، ليكمل له صومه، ويتم بذلك أجره.
فأول شيء يذكر : أن يبتغي المسلم بصيامه وجه الله تبارك وتعالى مؤمناً محتسباً، قال صلى الله عليه وسلم: " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه الشيخان. وفي رواية عند أحمد وغيره: " غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
وعليه قبل ذلك: أن يبيت النية للصيام لقوله صلى الله عليه وسلم: " من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له" وفي لفظ آخر عند النسائي: " من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له".
وعلى المسلم أيضاً أن لا يفرط في السحور ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ففيه خير كثير وجزاء وفير، فإن تركه فقد حرم نفسه الأجر الجزيل، أخرج الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تسحروا فإن في السحور بركة" وقال صلى الله عليه وسلم: " السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين " وقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال : " إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوها" وقال صلى الله عليه وسلم: " البركة في ثلاثة : الجماعة والثريد والسحور".
ومن فضل السحور أيضاً: أنه فرق ما بين صوم المسلمين وصوم أهل الكتاب، قال صلى الله عليه وسلم: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر".
وإذا علم ذلك فإن فضل السحور يتأكد في تأخيره، وفي ذلك كثير، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر سحوره، فعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، قال: تسحرنا مع النبي صلى اله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة قال أنس: فقلت كم بين الأذان والسحور؟ قال زيد: قدر خمسين آية". وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: " ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال في الصلاة" رواه الطبراني وله حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما قال بعض أهل العلم.
ويزداد السحور فضلاً إذا كان على تمر أو معه تمر، لقوله صلى الله عليه وسلم : " نعم سحور المؤمن التمر" أخرجه أبو داود وغيره.
وإذا أتم المسلم سحوره فعليه أن يتأهب لصلاة الفجر ولا يفرط كما يفعله بعض من يتسحر ثم ينام عن صلاة الفجر، وحسبكم بها من مصيبة وتفريط، خاصة إذا كان ممن يسهر طوال الليل.
عباد الله:
يضاف إلى ما سبق أيضاً أنه ينبغي على المسلم أن يستغل وقت صيامه بالخير بكل أنواعه من قرآن واستغفار وغيره، فإذا قرب موعد إفطاره فعليه أن يتذكر سنناً كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، فمنها: تعجيل الفطر، أخرج الشيخان عن سهل بن سعد رضي الله عنه مرفوعاً :" لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون". وتقدم حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: ثلاث من أخلاق النبوة ومنها: " تعجيل الفطور"..
ومن السنة أن يفطر الصائم على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء ، فعن سلمان بن عامر الضبي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا أفطر أحدكم فليفطر عن تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمراً فالماء فإنه طهور" أخرجه أحمد وأهل السنن.
وللبداءة بالتمر سر عجيب، فقد ذكر بعض أهل الطب أن الأمعاء تمتص المواد السكرية الذائبة، في أقل من خمسة دقائق فيرتوي الجسم، وتزول أعراض السكر والماء فيه، لأن سكر الدم ينخفض في أثناء الصوم فيؤدي إلى الشعور بالجوع وإلى بعض التوترات أحياناً ، وهذا سرعان ما يزول بتناول المواد السكرية.
وقال آخر:
وأما الماء - أي الإفطار على الماء- فإن الجسم يحصل له بالصوم نوع من اليبس، فإذا رطب بالماء كمل انتفاعه بالغذاء.
ومن السنة أيضاً: أن يدعو الصائم عند إفطاره ورد الترغيب في ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ثلاث لا ترد دعوتهم، الصائم حين يفطر، والإمام العادل والمظلوم". وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر". وقال أيضاً: ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر".
ومن السنة أيضاً أن يدعو الصائم عند فطره بالدعاء المأثور عنه صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقول إذا أفطر : "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله". وليحرص المسلم أن يفطر معه غيره أيضاً فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من فطر صائماً كان له مثل أجر غيره أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً".
فلنحرص عباد الله جميعاً على المسارعة إلى الخيرات فإن سلعة الله غالية.
نسألك اللهم أن تجعلنا وإخواننا المسلمين ممن صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً، وأن تجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقاك .
اللهم اجعل هذاالشهر شهر خير وبركة للإسلام والمسلمين حكاماً ومحكومين.
اللهم ارفع البأساء والضراء عن بلاد المسلمين.
<<من كتب الشيخ / عبدالعزيز السدحان >>
... أما بعد
معاشر المسلمين:
إن الأمة الإسلامية تستقبل هذه الأيام مواسم الخير العظيمة، التي أنعم الله بها على الأمة الإسلامية وشرفها به، { ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} وقد خص الله هذا الموسم ، [ موسم الصيام]، بخصائص عديدة تدل على فضله وشرفه، من تلك الفضائل:
أن القرآن أنزل فيه { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} .
ومنها: أن فيه ليلة القدر هي خير عند الله من ألف شهر { إنا أنزلناه في ليلة القدر }
ومنها: أن الشياطين فيه تصفد، وأبواب الجنان فيه تفتح، وأبواب النيران فيه تغلق ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن لله تعالى عند كل فطر عتقاء من النار وذلك في كل ليلة" أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة.
ومنها أن الله تعالى جعل للصائمين باباً لايدخله غيرهم، عن سهل بن سعد رضي الله الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " للصائمين باب في الجنة يقال له: ( الريان) لايدخل منه أحد غيرهم فإذا دخل آخرهم أغلق، ومن دخل منه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً " أخرجه البخاري ومسلم.
ومنها: استجابة دعاء الصائمين فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عنه وسلم: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم ودعوة المظلوم ودعوة المسافر" أخرجه البيهقي وغيره.
ومنها: أن الصيام جنة يستجن بها العبد من النار ، قال صلى الله عليه وسلم: " الصيام جنة يستجن بها العبد من النار" رواه أحمد والبيهقي .
ومنها أن الله اختص بعباده الصيام دون غيرها فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال تعالى " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". أخرجه الشيخان... إلى غير ذلك من الفضائل التي يطول المقام عن حصرها واستقصائها.
معاشر المسلمين:
وقبل أن نذكر أقسام الناس في شهر الصيام ينبغي أن تقف هنا وقفة سائل ومجيب فيقال:
كنا في العام الماضي في مثل هذه الأيام نرقب شهر الصيام ونتحراه، ثم ماذا؟ عام كامل بأيامه ولياليه قد قوض خيامه، وطوىبساطه، وشد رحاله، بما قدمنا فيه من خير أو شر ، وصدق الله- ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً -: { وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء}، { يقلب الله الليل والنهار..}.
وقال صلى الله عليه وسلم: " لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ما فعل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه".
قال الشاعر :
تمر بنا الأيام تترى وإنما نساق إلى الآجال والعين تنظر
فيا معشر المسلمين :
إن معشار الثانية التي تذهب من أعمارنا لن تعود ولو انفقنا ما بين أيدينا وما خلفنا، فلم التفريط؟ ولم التسويف في أعمال الخير؟ فلنحمد الله الذي بلغنا شهر رمضان وليشد بعضنا عضد بعض، فمن كان من مقصراً تعاهدناه بالنصح، ومن كان منا محافظاً زدناه ثباتاً بعد تثبيت الله له ، وربما أننا في مطلع شهر جديد، فليرقب كل منا نفسه خاصة، وليطوي صفحة ماضية إن كانت خيراً ازداد من الخير، وإن كانت غي ذلك بدّلها إلى أحسن منها.
ووقفة أخرى أيضاً : كان معنا في شهر الصيام الماضي أناس شاركونا في الصيام والقيام والقرآءة والدعاء، ثم ماذا كان شأنهم؟ منهم من فارق هذه الحياة وهو الآن تحت طبقات الثرى، ومنهم من يرقد الآن على فراش المرضى لا يستطيع صياماً ولا قياماً، ونحن لا نزال نتمتع بوافر الصحة والعافية ، فلله الحمد من قبل ومن بعد.
وبعد هذا يقال:
ينقسم الناس في شهر رمضان إلى أقسام:
1- منهم قسم ينتظر هذا الشهر بفارغ الصبر وتزداد فرحته بوصوله فيشمر عن ساعد الجد ويجتهد في شتى أنواع العبادة من صوم وصلاة وصدقة وذكر وغير ذلك، وهذا خير الأقسام، قال ابن عباس رضي الله عنهما " كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام ن كان أجود بالخير من الريح المرسلة". رواه البخاري.
2- ومن الناس قسم يدخل عليه شهر رمضان ويخرج وهو على ما كان عليه قبل رمضان ، فلم يتأثر من شهر الصيام ولم يزدد رغبة في الخيرات والمسارعة إليها ،وهذا ممن فوت على نفسه غنيمة لا تقدر بثمن، إذا أن المسلم الحريص يزداد حرصه في الأوقات التي يكثر فيها الخير والثواب.
3- ومن الناس قسم لا يعرف الله إلا في رمضان، فإذا جاء رمضان رأيتهم ركعاً سجداً، فإذا انسلخ رمضان ولوا على أدبارهم نفوراً ، وعادوا إلى ما كانوا عليه من المعاصي والآثام، وأولئك القوم قد ذكروا للإمام أحمد والفضيل بن عياض فقالا: " بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان"، ومن كان من أولئك فقد خادع نفسه، وظفر الشيطان منه بشيء كثير، { الشيطان سوّل لهم وأملى لهم} وإلى هؤلاء القوم نخاطبهم جميعاً مرغبين لهم ومرهبين، مرغبين لهم أن يتوبوا إلى توبة نصوصاً ويستغلوا هذا الموسم للإنابة والاخباات إلى ربهم والاستغفار والإقلاع عما سلف منهم، قال تعالى: { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى}، وقال: { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً} فإذا علم الله منهم الصدق والإخلاص ، تجاوز عنهم كما وعدهم والله لا يخلف الميعاد، أما إذا أصروا على ذلك، فنرهبهم من فعلهم وأنهم على خطر عظيم، وأي خطر أعظم من الاستهانة بفرائض الله وحدوده وأوامره ونواهيه؟
4- ومن الناس قسم يصوم بطنه عن المطعومات ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك، فتراه أبعد الناس عن الأكل والشرب في رمضان، لكن لا يجدحرجاً في سماع المنكرات والغيبة والنميمة والسخرية، بل هذا ديدنه في رمضان وغيره، وإلى هؤلاء يقال اعلموا أن المعاصي محرمة في مضان وغيره، لكن تزداد حرمتها في رمضان على قول بعض أهل العلم، ولتعلموا أنكم بفعلكم ذلك قد جرحتم صيامكم وفرطتم في أجر كثير، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله عز وجل حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث" رواه ابن حبان.
5- ومن الناس قسم جعل نهار الصيام رقاداً، وليلة سمراً ولهواً ، فلا هو استغل نهاره بالذكر والخير، ولا هو نزه ليله عن المحرمات، وإلى هؤلاء يقال: اتقوا الله في أنفسكم، ولا تفرطوا في خير وصل إليكم وأنتم في رخاء ورغد من العيش، وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً ، وأبشروا من الله بما يسركم.
6- ومن الناس، قسم لا يعرف الله في رمضان ولا في غير رمضان، وهذا شر الأقسام وأخبثها وأخطرها .. فتراه لا يلقي بالاً لصلاة أو صيام ويترك ذلك عمداً مع وفور الصحة والعافية، ويدعي بعد ذلك أنه من أهل الإسلام والإسلام منه بعد المشرقين، وأهل الإسلام منه براء، وإلى هؤلاء يقال بادروا بالتوبة، وارجعوا إلى دينكم، واطووا صفحة مظلمة من حياتكم، فإن ربكم رحيم لمن أطاعة شديد العقاب على من عصاه.
معاشر المسلمين :
إن للصيام واجبات وآداباً ينبغي للمسلم الحريص على مرضاة الله تعالى الإحاطة بها، ليكمل له صومه، ويتم بذلك أجره.
فأول شيء يذكر : أن يبتغي المسلم بصيامه وجه الله تبارك وتعالى مؤمناً محتسباً، قال صلى الله عليه وسلم: " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه الشيخان. وفي رواية عند أحمد وغيره: " غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
وعليه قبل ذلك: أن يبيت النية للصيام لقوله صلى الله عليه وسلم: " من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له" وفي لفظ آخر عند النسائي: " من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له".
وعلى المسلم أيضاً أن لا يفرط في السحور ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ففيه خير كثير وجزاء وفير، فإن تركه فقد حرم نفسه الأجر الجزيل، أخرج الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تسحروا فإن في السحور بركة" وقال صلى الله عليه وسلم: " السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين " وقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال : " إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوها" وقال صلى الله عليه وسلم: " البركة في ثلاثة : الجماعة والثريد والسحور".
ومن فضل السحور أيضاً: أنه فرق ما بين صوم المسلمين وصوم أهل الكتاب، قال صلى الله عليه وسلم: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر".
وإذا علم ذلك فإن فضل السحور يتأكد في تأخيره، وفي ذلك كثير، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر سحوره، فعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، قال: تسحرنا مع النبي صلى اله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة قال أنس: فقلت كم بين الأذان والسحور؟ قال زيد: قدر خمسين آية". وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: " ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال في الصلاة" رواه الطبراني وله حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما قال بعض أهل العلم.
ويزداد السحور فضلاً إذا كان على تمر أو معه تمر، لقوله صلى الله عليه وسلم : " نعم سحور المؤمن التمر" أخرجه أبو داود وغيره.
وإذا أتم المسلم سحوره فعليه أن يتأهب لصلاة الفجر ولا يفرط كما يفعله بعض من يتسحر ثم ينام عن صلاة الفجر، وحسبكم بها من مصيبة وتفريط، خاصة إذا كان ممن يسهر طوال الليل.
عباد الله:
يضاف إلى ما سبق أيضاً أنه ينبغي على المسلم أن يستغل وقت صيامه بالخير بكل أنواعه من قرآن واستغفار وغيره، فإذا قرب موعد إفطاره فعليه أن يتذكر سنناً كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، فمنها: تعجيل الفطر، أخرج الشيخان عن سهل بن سعد رضي الله عنه مرفوعاً :" لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون". وتقدم حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: ثلاث من أخلاق النبوة ومنها: " تعجيل الفطور"..
ومن السنة أن يفطر الصائم على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء ، فعن سلمان بن عامر الضبي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا أفطر أحدكم فليفطر عن تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمراً فالماء فإنه طهور" أخرجه أحمد وأهل السنن.
وللبداءة بالتمر سر عجيب، فقد ذكر بعض أهل الطب أن الأمعاء تمتص المواد السكرية الذائبة، في أقل من خمسة دقائق فيرتوي الجسم، وتزول أعراض السكر والماء فيه، لأن سكر الدم ينخفض في أثناء الصوم فيؤدي إلى الشعور بالجوع وإلى بعض التوترات أحياناً ، وهذا سرعان ما يزول بتناول المواد السكرية.
وقال آخر:
وأما الماء - أي الإفطار على الماء- فإن الجسم يحصل له بالصوم نوع من اليبس، فإذا رطب بالماء كمل انتفاعه بالغذاء.
ومن السنة أيضاً: أن يدعو الصائم عند إفطاره ورد الترغيب في ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ثلاث لا ترد دعوتهم، الصائم حين يفطر، والإمام العادل والمظلوم". وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر". وقال أيضاً: ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر".
ومن السنة أيضاً أن يدعو الصائم عند فطره بالدعاء المأثور عنه صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقول إذا أفطر : "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله". وليحرص المسلم أن يفطر معه غيره أيضاً فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من فطر صائماً كان له مثل أجر غيره أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً".
فلنحرص عباد الله جميعاً على المسارعة إلى الخيرات فإن سلعة الله غالية.
نسألك اللهم أن تجعلنا وإخواننا المسلمين ممن صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً، وأن تجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقاك .
اللهم اجعل هذاالشهر شهر خير وبركة للإسلام والمسلمين حكاماً ومحكومين.
اللهم ارفع البأساء والضراء عن بلاد المسلمين.
<<من كتب الشيخ / عبدالعزيز السدحان >>